في تلك الليلة العاصفة بالحقائق، لم تذق عيناها طعم النوم. جلست أمام مرآتها القديمة ترقب وجهها الشاحب، وتنظر إلى عينيها المحاطتين بهالات الحزن الأسود. لمست بأصابعها تفاصيل وجهها وكأنها تتعرف على نفسها لأول مرة، وقالت بصوت خافت لكنه حاد كالشفرة:
"كفى.. لن أسمح لأحد، كائناً من كان، أن يحدد قيمتي أو يكتب سيناريو بؤسي بعد اليوم."
كان قرارها وليد وجع حاد، بسيطاً في لفظه، لكنه أشبه بانتزاع الشوك من اللحم الحي: قررت أن تبدأ من الصفر، أن تكون هي الأم والأب والوطن لنفسها، وأن تتوقف فوراً عن تسوّل الحب والأمان من قلوب عاجزة عن منحه.
انكبت على دراستها وعالمها الخاص بشغف انتقامي، هربت إلى بطون الكتب، تمتص من الحروف قوة ترمم بها انكسارها الداخلي. في البداية، لم يتغير محيطها؛ واجهوها بذات السخرية الباردة.
"ظنت نفسها ستصبح شيئاً"، قالوا تهكماً.
"ستبقى ضعيفة ومكسورة، فالشرخ في جدارها أعمق من أن يُرمم"، همس آخرون.
لكنها هذه المرة لم تبكِ تحت الوسادة. كانت تنظر إليهم وابتسامة غامضة، هادئة، ترتسم على شفتيها.. ابتسامة من عرف الحقيقة فلم يعد يؤذيه صدى الأكاذيب. تعلمت خلف تلك الجدران أن التسامح ليس ضعفاً، وليس صك غفران يمحو بشاعة الماضي، بل هو "تخلٍّ واعي" عن الرغبة في الانتقام، وإدراك عظيم بأن الإنسان قادر على صياغة مستقبله بيده، حتى لو كُتبت فصوله الأولى بحبر الدموع.
ومع كل كتاب تقرأه، وكل نجاح تحققه، كانت جدران الخوف داخلها تتهاوى، وبدأت هيبتها تفرض نفسها على كل من في البيت. صمتها لم يعد صمت الخوف، بل أصبح صمت القوة والترفع.
أما والدها، ذلك الرجل الذي كان يوماً مصدر رعبها، فقد بدأ يراقب هذا التحول بذهول وانكسار. رأى فيها القوة التي تمنى يوماً أن يمتلكها في مواجهة ضعفه. وفي غسق يوم لم تتوقعه، بينما كانت تجلس في الصالة تقرأ، اقترب منها بخطوات ثقيلة ومترددة، كانت أنفاسه متهدجة وعيناه زائغتين. لأول مرة، رأته يبدو ضئيلاً، مجرداً من قناع الطغيان.
وقف أمامها، ونزل بصوته المبحوح إلى نبرة لم تألفها مسامعها قط، وقال وعيناه تغرورقان بالدموع:
"سامحيني يا ابنتي.. لم أكن أعرف كيف أكون أباً، ولم أكن أدرك كم كنت أهشم في قلبكِ الصغير."
في تلك اللحظة، شعرت وكأن سداً منيعاً قد انهار داخل صدرها. انهمرت دموعها حارة، غزيرة، لكنها لم تكن دموع قهر، بل كانت دموع الغسيل الأخير للماضي. لم يمحُ اعتذاره مرارة السنين، ولم تختفِ الندوب الغائرة من روحها بلمحة بصر، فالماضي لا يموت تماماً، لكن كلماته المكسورة كانت بمثابة إعلان الهدنة وجلسة العلاج الحقيقية الأولى.
اليوم، عندما تقف وتلتفت بذاكرتها إلى الوراء، نحو تلك الطفلة الخائفة التي تبكي في الزاوية، لا تشعر بالرثاء أو الوجع فقط... بل تبتسم وتمسح على قلبها قائلة: "لقد نجوت".
لقد أدركت تماماً أن أقسى الحكايات، وأشد النيران ضراوة، هي وحدها التي تصهر الحديد.. لتصنع في النهاية أصلب وأنقى الأشخاص.
تمت.. 🌷

تعليقات
إرسال تعليق