منذ أن فتحت عينيها على هذه الدنيا، لم تعرف معنى البيت الدافئ، كان البيت بالنسبة لها مجرد جدران إسمنتية باردة تخلو من الأمان.
كانت تستيقظ على دويّ الصراخ الذي يزلزل أركان فؤادها الصغير، وتنام وهي تطوق نفسها بذراعيها، مخبئة دموعها الحارقة تحت الوسادة، تكتم أنفاسها وتغلق فمها بطلب شديد كي لا يسمع أحد شهقاتها، فالبكاء في بيتها كان يُعد ذنباً يُعاقب عليه. كان والدها كعاصفة لا تهدأ، سريع الغضب، يفرغ خيبات حياته بنظرات قاسية وصوت يمزق هدوء المكان، بينما كانت والدتها غارقة في مستنقع مشاكلها الخاصة، باردة المشاعر، تنظر إليها وكأنها عبء ثقيل لا ترغب في تحمله. أما إخوتها وأخواتها، فكانوا يمارسون عليها أقسى أنواع التهميش؛ يسخرون من ملامحها، ومن صمتها، ويشعرونها بأنها حلقة زائدة لا تنتمي إليهم.
كبرت هذه الطفلة وهي تحترق بأسئلة صامتة تمزق صدرها كل ليلة:
"لماذا أنا بالذات؟"
"ما الذنب الذي اقترفته ليكون قلبي منبوذاً هكذا؟"
"لماذا لا يحبني أحد، رغم أنني أحمل لهم في صدري فيضاً من الحب؟"
كانت ترى التمييز يُمَارس ضدها علناً؛ يوزع الحنان على الجميع وتُستثنى هي، يُشترى الفرح للكل وتُهدى هي التجاهل. كان قلبها ينكسر بصمت كزجاج يتهمش ببطء، لكنها كبرياءها الطفولي منعها من الشكوى أو الاستجداء.
في المدرسة، كانت غريبة الأطوار في نظر الكثيرين؛ هادئة كالمقابر، متفوقة هرباً من واقعها، وتبتسم كثيراً بابتسامة باهتة ترتديها كقناع مزيف. لم يكن أحد من زميلاتها أو معلماتها يعلم أن وراء هذه الابتسامة طفلة تخوض حرباً طاحنة ضد الانكسار كل ليلة، وأن جسدها النحيل يحمل روحاً مثقلة بالندوب. كانت تلوذ بدفتر صغير مخبأ بعناية، تسكب فيه حبرها الدمعي، تكتب أحزانها وتواسِ نفسها بوعود واهية بأنها ستصبح قوية يوماً ما.
مرت السنوات العجاف، وأصبحت شابة، لكن مظهرها الخارجي النضج كان يخفي داخله ذات الطفلة الباكية الخائفة. الجروح لم تلتئم، بل تحولت إلى ندوب غائرة تشعر بوخزها مع كل خذلان جديد.
وفي ليلة خريفية كئيبة، بعد شجار عائلي عنيف وعاصف تعالت فيه الأصوات وتطايرت فيه الاتهامات، جُرحت كرامتها ومُزقت مشاعرها كالعادة. ركضت إلى غرفتها، وأغلقت الباب، وارتمت على الأرض تبكي بحرقة وهستيريا، حتى شعرت أن أنفاسها تتقطع وأن صدرها يضيق.
جلست في زاوية الغرفة المظلمة تسند رأسها المتعب إلى خزانة خشبية قديمة، ومن فرط ارتعاش جسدها واهتزاز الخزانة، سقط من شق خلفي لها ظرف أصفر مهترئ، غطاه الغبار وكأنه يخبئ أسراراً منسية.
مسحت دموعها بأصابع مرتعشة، وفتحت الظرف بفضول ممزوج بالخوف...
وكانت الصدمة التي جمدت الدماء في عروقها.
وجدت رسالة خطية كتبتها والدتها قبل سنوات طويلة، بأحرف مهزوزة متعبة، تتحدث فيها عن انطفاء روحها، وعن أحلامها الشبابية التي وأدها الزواج والفقر، وعن حزنها الأسود الذي جعلها تصبح قاسية وجافة رغماً عنها، لدرجة أنها لم تعد قادرة على منح الحب لأطفالها لأنها ببساطة لا تملكه.
ثم سحبت من داخل الظرف دفتراً صغيراً بآلاف الصفحات المطوية، يعود لوالدها.
فتحته وهي ترتجف كعصفور بلله المطر، فوقعت عيناها على السطر الأول، وكان مكتوباً بحبر باهت:
"أنا رجل مكسور.. أخاف أن أخسر أولادي، لكنني مرعوب لأنني لا أعرف كيف أكون أبًا جيدًا، لم يعلمني أحد كيف أحب."
توقفت أنفاسها. جفت الدموع في عينيها للحظة من هول المفاجأة.
هل يعقل أن هذا الطاغية، الرجل الذي سبب لها كل هذا الرعب والألم وسرق منها طفولتها، يخفي خلف قناعه الحديدي كل هذا الخوف والهشاشة؟ هل كان يضرب ويصرخ فقط لأنه عاجز وضعيف؟
أغلقت الدفتر وضمته إلى صدرها، وانفجرت ببكاء من نوع آخر؛ بكاء يمتزج فيه الحزن بالشفقة. ولأول مرة في حياتها، شعرت أن خلف الوجوه القاسية حكايات دامية ومآسي لا يعلمها أحد، وأن جلاديها كانوا في الحقيقة ضحايا لجلادين آخرين.
لكن هذا الاكتشاف المفجع والمليء بالمشاعر المعقدة لم يكن سوى الستار الذي رُفع عن الحقيقة... فما حدث بعد أيام قليلة، كان الحدث الزلزال الذي دفعها لاتخاذ قرار سيقلب موازين حياتها إلى الأبد.
🌷 تابعوا الجزء الثاني والأخير لمعرفة القرار وبداية الشفاء...


تعليقات
إرسال تعليق